10 مايو, 2009

الجــزء السابع / رياحين الهوى



كان احمد يأكله القلق و هو يمشط شرفته ذهابا و إيابا في انتظار عودة هند من حيث كانت فقد كان منزعج عليها فهي لا تجيب على هاتفها و ليست بالمنزل رغم وجود سيارتها أسفل العمارة و ما زاد قلقه أكثر قول عم عبده إنها نزلت منذ الصباح و ها قد حل الظلام و لم تعد . كانت الوساوس تجوب عقله فتصور له أبشع الأفكار فقد تكون قد ماتت في حادث تصادم أو أختطفها احد المدنين ليستولى على نقودها و من الجائز أن يكون قد أغتصبها و ألقى بها في أطراف الصحراء . فيقشعر بدنه و ينظر من جديد إلي حيث الشارع و الذي خلى تقريبا من الناس ليلمح من بعيد ظل اسود كبير يتضاءل كلما اقترب من العمارة و عندما وصل إلي اقرب عمود نور تبين احمد من هو أو هي فقد كانت هند تمشي مترنحة منكسة الرأس و تستند بيديها على هياكل السيارات بالشارع من الإرهاق و الإعياء الشديد فهي منذ أن تركت نبيل ورائها بالكافيتريا و هي تجوب الطرق على غير هدى إلى أن حل الظلام عليها.

هرولت صابحة زوجة البواب نحو هند لتطمئن عليها بعد أن رأتها في هذه الحالة فاستندت هند برأسها على صدر صابحة و تعكزت على ذراعها و لكن ساقيها لم يقويا على حملها أكثر من ذلك فسقطت على الأرض . و في أثناء ذلك كان احمد قد ركض نحو الشارع ليطمئن عليها عندما كان يحملها عم عبده مغشيا عليها و يتجه بها نحو الدكة التي يجلس عليها أمام العمارة ، أقترب أحمد منها يتفقدها في قلق شديد تحسس نبضها فوجد معصمها ساخن كجمر النار فتحسس جبهتها فلم يجدها أحسن حالا من معصمها ، جاءت صابحة بكوب من الماء و ثمرة بصل كبيرة " دشتها " على ذراع الدكة و أقحمتها في انف هند فانتفضت هند من تأثير مفعول البصل الساحر و جلست صابحة وراء هند و أسندتها على كتفها حتى يتسنى لها أن تسقيها الماء.
لم تتبين هند منهم سوى أحمد فابتسمت له لتطمئنه ثم غابت عن الوعي من جديد ، فدست صابحة البصلة من جديد في انفها و لكنها لم تجدي نفع هذه المرة فتطوع عم عبده و اخذ المياه المتبقية في الكوب و سكبها على رأسها فشهقت هند و هي تنتفض من هذا الصقيع الذي غمر وجهها الساخن .
فثار احمد في وجه عم عبده على هذا التصرف الساذج و أمره بأن يساعده في حملها لتركب سيارته حتى يذهب بها إلي المستشفى و هند تحاول أن ترفض و لكن دون جدوى فصوتها لا يقوى أن يخرج من حنجرتها الملتهبة فاستسلمت لرغبة احمد ليحملها كالطفل الرضيع بين يديه فأسندت رأسها على كتفه و أغمضت عينيها في سعادة و تمنت أن تطول هذه اللحظة إلي أن تزول الأرض .
وضعها في الأريكة الخلفية للسيارة و جلست معها صابحة أما عبده فظل يحرس العقار ، أنطلق احمد مسرعا إلي المستشفى و هناك حجزت في الاستقبال نحو أكثر من ساعتين إلى أن استقرت حالتها و انخفضت حرارتها نسبيا فانصرفت هند مستندة على ذراعي صابحة و احمد .

باتت صابحة تلك الليلة في منزل هند بعد أن أصر احمد ألا تنام هند وحدها و لم تمانع صابحة بعد أن أغراها احمد بخمسون جنيها شرط أن تعتني بهند ، أما أحمد فلم يغمض له جفن في تلك الليلة كان في غاية القلق على هند كان يخشى أن تنام صابحة و لا تكن في عون هند عندما تحتاج إليها و لهذا ظل إلي جوار الهاتف ليطمئن على هند كل ساعة و يتأكد أن الأخرى مستيقظة .
و في الصباح الباكر كان احمد يطرق باب هند ففتحت له صابحة محمرة العينين من السهر و قالت بفتور و هي تدلي بتقريرها العاشر عن صحة هند انها بخير و أنها لا تزال نائمة و دون أن تزيد تركته ليدخل و دخلت هي إلي المطبخ لتعد الشاي ، كانت هذه المرة الأولى التي يدخل شقتها أسترعى انتباهه كل تلك الصور الفوتوغرافية التي غطت الجدار الأيمن للشقة ، وقف يتأملها جميعها تلك التي تقف فيها هند صغيرة تقطف الأزهار و شعرها الأسود الحريري يتطاير مع نسمات الهواء ،و هذه التي تلهو فيها مع رجل كبير أدرك انه والدها بسهوله فهي تشبه كثيرا ، و صورة أخرى لها و هي بسن الخامسة عشر تقريبا ترتدي فستان وردي قصير و شعرها أسود طويل مسترسل على كتفيها و ابتسامة حالمة تحمل بين طياتها بقايا الطفولة ، أما هذه الصورة فتبدو أنها التقطت قريبا فهنا تظهر بشعرها الغجري الأحمر و حولها صديقاتها كانت هي الأجمل بينهم و من بين صديقاتها ميز أحمد واحدة ميزها جيدا فهو يعرف هذا الشعر البني و هذه العيون الخضراء التي هام بها منذ شهر
- إنها منى كيف نسيتها الليلة الماضية ، ماذا حدث بينها و بين هند ؟؟ ... هل هند فاتحتها في أمري؟؟... هل وافقت ؟؟ كانت هذه الأفكار تجوب عقله عندما وقفتها صوت صابحة و هي تلفت نظره أن الشاي سيبرد
جلس احمد يرتشف الشاي و هو يتأمل اللوحات الزيتية التي علقت على الجدار المقابل له و ذلك الجرمافون العتيق الذي وضع على منضدة عتيقة تشبهه ، و في الجانب الأخر كان هناك أحدث جهاز للديفيدي و حوله مكتبة كبيرة من الاسطوانات المدمجة لأغاني أم كلثوم و فيروز و عبد الوهاب و موسيقى عمر خيرت و عمار الشريعي و بوب مارلي و مساري و موسيقي الجاز ، كان ذوق الشقة في كل شيء يجمع العصرين حتى لوحاتها الزيتية المعلقة بعضها يرجع لفن العصور الوسطي لفرنسا و راقصات البالية و الفلامنكو و أخرى بها رسوم المشربيات و الأحياء الشعبية و البدويات و صحاري مصر. و لكن رغم ذلك كان الجو العام للبيت به ألفه و تناسق محبب للنفس . باغته من وراء ظهره صوتها الرقيق الضعيف إنها هند قد استيقظت من نومها
- صباح الخير
- صباح النور .... حمدا لله على سلامتك لم أكن اعرف مقدار معزتك لدي إلا البارحة
فابتسمت ابتسامة رقيقة تشوبها الخجل و هي تشير له أن يجلس و قالت و هي تجلس هي الأخرى
- لن أجد كلمات تعبر لك عن شكري و عن أسفي لإرهاقك البارحة
- لا داعي لتلك الكلمات ألا تدري مقدار معزتك بقلبي يا هند
فنظرت في عينيه بهيام حتى شعرت أن نظراتها واضحة و تفضحها فاحمرت وجنتيها و نظرت إلى حيث كوب الشاي الذي كان يشربه فقالت و هي تحاول أن تداري ارتباكها
-هل تناولت إفطارك اليوم
-ليس بعد
- إذا ستتناول إفطارك معي
لم يمانع احمد ولا يدري لما لم يمانع و لما تغيب عن عمله اليوم ليجلس معها كل ما شعر به أنه أراد أن يكون بصحبتها بعد أن شعر بالأمس انه سيفقدها .

جلسوا يتبادلوا أطراف الحديث أثناء إعداد صابحة للإفطار و كان أول ما سأل عنه ماذا حدث لها البارحة و أين كانت طوال اليوم فحاولت أن تدير دفة الحديث عن ذلك الأمر فماذا ستقول له أنها تحبه و فرت من مشاعرها إلي حيث لا تدري و أنها ظلت تركض طوال اليوم هربا من صوته و هو يعترف بحبه لمنى فقالت له و هي تتجه نحو جهاز الديفيدي أتود أن تستمع بعض الموسيقى
- لديك مكتبة شاملة لم أكن أتوقع أن أجد لديك أسطوانات لفيروز أو أم كلثوم
فالتفتت له و هي تتوجه نحو الاسطوانات و نظرت له من وراء كتفها بعينيها البنية التي تحمل بين أهدابها ألام الحب و المرض و التي أضفت على نظرتها جاذبية لم يقاومها أحمد
- هناك الكثير الذي لا تعرفه عني يا أحمد
فوقف إلى جوارها و هي تنتقي الاسطوانات و قال و هو ينظر إلى شعرها
- نعم فأنا لم أعرف أن شعرك أسود و انه في غاية الجمال عليكِ فنظرت على الفور في اتجاه جدار الذكريات الذي يحمل صورها الفوتوغرافية
- إن شعرك قديما يناسبك أكثر من هذا الأحمر فتحسست شعرها و حاولت أن تقاوم نظرات عينيه الثاقبة التي تحاول أن تخترق جدران حياتها و قالت
-أن هذا اللون الأسود يشعرني كأني بلهاء أما هذا فيناسبني
- ولكني أرى إن لونه الطبيعي أكثر جاذبية و أكثر جمالا
- حقا قالتها و هي تدير أسطوانة لفيروز
- نعم انظري و جذبها من يدها إلي حيث الصور الفوتوغرافية و أردف أنظري كم أنتي جميلة و رقيقة بتلك الخصلات السوداء
فنظرت في عينيه الدافئة و فيروز تشدو خلفهم " أهواك... أهواك .... أهواك بلا أملِ و عيونك تبسم لي و ورودك تغريني بشهيات القبلِ " فأشارت بإصبعها في إتجاه الموسيقي و هي تحاول أن تشيح ببصرها عن عينيه و قالت
-أحب هذه الأغنية كثيرا
فاسترق السمع و قال
- نعم أنا أيضا أحبها و عاد ينظر إلى حيث الصور و قال أنظري هنا و أشار على صورتها مع أصدقائها أنظري إلى شعرك الأحمر هنا و الأسود في تلك الصورة أنه أجمل بكثير فنظرت هند إلى الصورة نظرت الى أصدقائها و نظرت إلى منى بالتحديد فارتبكت فبعد أن كانت تشعر انه يهتم بها و بمظهرها أدركت ان كل هذا الحديث من أجل أن يشير إلى تلك الصورة و أن يفسح مجال لنفسه ليتحدث عن منى
" أهواك و لي قلبُ بغرامك يلتهبُ
تدنيه فيقتربُ تقصيه فيغتربُ
في الظلمة يكتئبُ و يهدهده التعبُ
فيذوب و ينسكبُ كالدمع من المقلِ
أهواك... أهواك .... أهواك بلا أملِ "
-هل كل هذا الحديث من اجل منى يا أحمد قالتها غاضبة
-منى !!! للحظة نسى أحمد منى بين حياه هند و طيات ذكرياتها و بين عينيها و صوتها و قلبها و للحظة شعر أن إلى جوارها تحلو الحياة و للحظة شعر أن ليس هناك منى ولا عمل ولا وقت و لا شيء سوى هند
- نعم منى يا أحمد و إذا كان غير ذلك فلما هذه الصورة تحديدا التي اختارتها دونا عن البقية لتتحدث عنها لم يكن هناك داعي لهذا الحديث عن شعري و عن اهتمامك بمظهري كان يكفي أن تسأل بطريقة مباشرة قالتها في حدة و دون أن تعطيه فرصة ليدافع عن نفسه بادرت قائلة على كل الأحوال إنها موافقة على عرضك
قالتها و جلست على المقعد المجاور لها بعد أن شعرت أن الحجرة تدور من حولها

" في السهر أنتظرُ و يطول بي السهرُ
فيسألني القمرُ يا حلوة ما الخبرُ
فأجيب هو القلبُ قد تيمه الحبُ
يا بدر أنا السببٌ أحببت بلا أملِ
أهواك... أهواك .... أهواك بلا أملِ"


هل كان سعيدا هل كان مصدوما هل كان مشوش الفكر لم يكن يدري ما هي حالته بعد سماع هذا الخبر كانت مشاعره متخبطة بين الفرحة و الحزن بين الراحة و الحيرة بين منى و هند

- هل حقا وافقت منى
- اهدأ يا أحمد حتى لا يتوقف قلبك من السعادة قالتها و هي تحاول أن تحبس دموعها داخل أجفانها حتى لا تفضحها
فابتسم ابتسامة بلهاء لا تنم عن أي معنى أو أي شعور سكت قليلا ثم قال
- إن عيد الحب بعد أيام سوف أدعوكن إلى أحد المطاعم لكي نتحدث في تفاصيل الزواج
كان قلب هند يخفق من فرط الانفعال لدرجة شعرت معها أن عروقها ستنفجر في عنقها فقالت بانفعال و توتر
- و لماذا أحضر هذه المقابلة
- لأنك السبب في تلك الزيجة ولاني أحب أن تشاركيني تلك اللحظة
كان هند في تلك اللحظة قد امتقع وجهها و بدء جسدها يرتعد من فرط الانفعال كانت كل ذرة بجسدها ترتعش حتى أمعائها كانت تنتفض في أحشائها و لم تستطع أن تمنع دموعها من النزول أكثر من ذلك
- هند ماذا بكِ !! هل أنتي بخير ؟؟
- لا ... لا لست بخير قالتها بصوت مرتعش و جسد يرتعد فتحسس جبهتها
- إن جسدك بارد كالثلج كانت ذراعيه ستضمها إلى صدره ليهدئ من تلك الرعشة أو لرغبه في قلبه لا يعرف مصدرها أو سببها سوى انه يريد أن يضمها بين ضلوعه ، و لكنه عدل عن تلك الفكرة المجنونة و صرخ بصابحة حتى تسمعه و تأتي ، فأتت مسرعة و بيدها الدواء في حين حاولت هند أن تتماسك و أن تلملم شتات نفسها و ألا تنهار أكثر من ذلك أمامه و حمدت الله انه فهم أن ما حدث لها نتيجة لما أصابها بالأمس من مرض و ليس بسبب مشاعرها اتجاه و غيرتها عليه و غضبها من عدم شعوره بها . و على غير رغبة منها تناولت الدواء حتى تثبت أن ما أصابها بسبب المرض فعلا و شعرت براحة غامرة عندما اقترحت صابحة أن تستريح هند بالفراش ، و دون نقاش همت بالنهوض لتذهب إلى غرفتها هربا من أحمد حتى لا يرى انهيارها أكثر من ذلك و ساعدها في النهوض كلاهما .

خرج أحمد من غرفة نومها بعد أن تركها مع صابحة فلا يصح تواجده هناك ثم خرجت صابحة خلفه بدقائق تقول له إنها أحسن حالا و تركتها لتنام . أطمئن أحمد قليلا و جلس على مقعد مجاور لباب حجرتها و وقفت صابحة تتفرسه بعينيها و تتأمل نظرات عينيه الزائغة القلقة و اهتزاز ساقه في عصبية فتنهدت بصوت عالي و قالت
- لا تقلق يا سي احمد ستكون بخير
فنظر بوجهها بمعني أحقا و كأنها طبيب مختص يشخص الحالة و ينتظر كلماتها لتطمئنه
فقالت بصوت مسموع يا عيني على الحب
قفز أحمد من مكانه إزاء هذه الكلمات و رمقها بنظرة غاضبة أخرستها ، وقف للحظات مطرق الرأس واضع يديه في جيبي سترته يفكر في لا شيء ثم شعر إن وجوده ليس له داعي و سيفسر مثلما فسرته صابحة و يخشى هو أيضا أن يفسرها عقله نفس الشيء نظر إلى باب غرفة هند و قال لصابحة
- هي لم تتناول إفطارها بعد عندما تستيقظ أعدي لها وجبة غذاء خفيفة و دس في يدها بعض النقود و أردف اهتمي بها جيدا و سوف أطمئن عليها هاتفيا .
و تركهم ليعود إلى منزله .
يتبع....
بقلم/ هاجر العشري

08 يناير, 2009

الجزء السادس / رياحين الهوى



استيقظت هند من نومها لتجد نفسها مستلقية على أرضية المطبخ فبعد أن تعبت من البكاء و التفكير للساعات الأولى من الليل نامت دون أن تشعر في المطبخ .
حاولت هند أن تستجمع همتها لتقف على قدميها فجسدها مرهق من أمواج الثلج الذي امتصها من صقيع البلاط , اتجهت هند نحو الحمام لتغتسل , خلعت ملابسها واستقبل جسدها الغض قطرات المياه الدافئة مما أراح عظامها المتعبة من صقيع الأرض . لا تعرف هند كم من الوقت وقفت تحت المرش لكنها كانت تستمتع بذلك الدفء و تلك القطرات التي كانت تغسل عنها الأفكار الحزينة فكل قطرة تنحدر على جسدها كانت تريح أعصابها المرهقة .
كانت أبخرة المياه تغلف المكان بأثره عندما انتهت من الاستحمام فدثرت بالمنشفة و مسحت بيديها تكثف البخار الذي ظهر على المرآة لترى انعكاس وجهها في المرآة , نظرت ملياً إلي وجهها و الذي ظهرت عليه أثار الليلة الفائتة من شحوب وجه و انتفاخ الأجفان من البكاء , و اقتربت بوجهها في اتجاه المرآة حتى كادت أن تلامس سطح المرآة البارد و كأنها ترغب في أن تنفذ إلي أنعاكسها بالمرآة . و بصوت عالي وجهت حديثها لانعكاسها في المرآة
- لماذا تنظري إلي هكذا ... من منا يلوم الأخر ..... أنتي من خان العهد و تركتي قلبنا للحب فلتتحملي ما حدث إذا , ثم رأت دموع منهمرة من وجهها المنعكس في المرآة فنفضت هند تلك الدموع بيديها و صاحت في المرآة
الآن تبكين أتشعرين بالندم لما فعلتيه بي أم تشعري بالأسى من اجلي فلتألفي إذا الدموع فستكون صديقتك الأيام المقبلة فندمك أو حزنك سترينه في كل لحظة و أنتي ترين قلبي يموت كل يوم بسبب حبك هذا.
ثم تدافعت الدموع من جديد في عينيها فأشاحت بوجهها عن المرآة و خرجت من الحمام في اتجاه غرفة النوم عندما استوقفها رنين بابها فاتجهت إليه لتنظر في العين السحرية واثقة انه احمد , و بالفعل وجدت احمد يقف سعيداً و على وجه تلك النشوة الأبدية لمن وقع في الحب حديثاً .
أخذت ضربات قلبها تتسارع وأطرافها أصبحت باردة مرتعشة و هي تبتعد عن الباب فهي لن تفتح له بحالتها تلك فهي لا تزال بمنشفة الاستحمام و عينيها يملؤها الدموع و كان يعتريها رغبة جامحة أن ترتمي في أحضانه و تجهش في البكاء و هذا ما كانت تخشاه أن يحدث .
تركته بالخارج و دخلت إلي غرفة نومها مبتعدة عن صوت رنين الباب و لكنه باغتها باتصاله لها علي هاتفها المحمول فتعالى صوت الرنين ليسمعه احمد في الخارج و يتأكد أنها بالمنزل مما اضطرها أن تجيب على مكالمته لم تعطيه فرصة ليتحدث و لم تطل في حديثها فهي تخشى أن يظهر على صوتها شيء من ضعفها و كأنها تترك رسالة صوتية على مجيب الهاتف قالت إنها كانت تستحم و لذلك لم تستطيع أن تفتح له الباب و أنها لن تذهب للعمل ثم حيته مودعة إياه و أنهت المكالمة على الفور مما دفع احمد للشعور بالريبة و لكن ليس على هند و لكن على مستقبلة مع منى إن كانت قد رفضته و هند تخشى أن تخبره.

انصرف احمد وهو يحمل أفكاره تلك ليترك وراءه هند تأكلها الأفكار . جلست هند على الكرسي المقابل للمرآة في غرفة نومها تمشط شعرها بعصبية و هي تنظر لوجهها في المرآة و من جديد تحادثها و لكن هذه المرة في نفسها تواسيها تارة و تارة أخرى تعنفها و أخرى تبحث عن حل , حتى تزاحمت الأفكار في رأسها مما جعلها تشعر أنها على مشارف الجنون فارتدت ملابسها و ركضت نحو الشارع إلي كورنيش النيل ركضت و ركضت و كأنها تركض هربا من وحش يطاردها ركضت حتى خارت قواها فاستندت على سور الكورنيش تتلقف أنفاسها وقفت على مقربة من شاب كان يتحدث في هاتفه المحمول و عندما رآها تقف بقربه ارتفع صوته بحدة و هو ينهر من تحادثه أن لا تحاول الاتصال به مرة أخرى , و عندما أنهى حديثه أو بمعنى أدق أغلق الهاتف في وجهها التفت نحو النيل و اخذ يتأمله وهو يصفر بشفاه الغليظة فقالت له هند دون أن تنظر إليه و بصوت يحمل نغمة هجوم
- انك تفتقر اللياقة و الذوق لتغلق الهاتف في وجه تلك الفتاة
- أنا افتقد للذوق و ماذا عنكِ ماذا تفتقدي و أنتي تتدخلي فيما لا يعنيكِ قالها بغيظ شديد
- انك عندما لاحظت وجودي رفعت صوتك كي تسمعني حديثك هذا و ليسمع كل فرد في الطريق انك كزانوفا عصرك و ساحر النساء الأول الذي يرفض حب تلك الفتاة قالتها ببرود
فنظر لها بدهشة لجراءتها و أجاب بتفاخر أن هذه الفتاة تحبه و تطارده و هو لا يحبها و لذلك كان لابد أن يعاملها بتلك الحدة حتى لا تتعلق به أكثر من ذلك
فقالت له بسخرية
-يا لك من نبيل
فقال باستظراف و هو يستند بذراعه على السور
- و كيف عرفتي اسمي
فنظرت له هند باستخفاف و قالت
- من الواضح إن هذه الفتاة هي الوحيدة التي أعارتك انتباه و أحبتك و من الواضح انك تفرغ عقد النقص عليها
فقال لها بتفاخر
- الأولى !!! إن الفتيات يجسون تحت قدمي يا سيدتي
فنظرت له من رأسه إلي أخمص قدميه و قالت
- من الواضح انك لا تعرف غيرها , فاحمرت أذناه خجلا لكشفها كذبه و استطردت قائلة إذا صادفك الحب فلا تولي ظهرك عنه أهداك الله فتاة تحبك فتنهرها و ترفضها , غيرك يتمنى أن يجد من يحبه أو أن يشعر به من يحبه و تراء لها وجه احمد وعلى وجه تلك النشوة التي رأتها على وجهه في الصباح
فقفزت من على السور إلي حيث الرصيف مودعة إياه بيديها من بعيد و هي تركض و تقول له لا تدعها تضيع من يديك.

كانت تركض هذه المرة هربا من وجه احمد الذي يطاردها و من دموعها التي خافت أن يراها ذلك الشاب فركضت بعيدا عنه . ركضت إلي أن وصلت إلي كافيتريا تشرف على النيل دخلت إلي هناك تريح أوصالها و تروي ظمئها .
جلست هند على طاولة مجاورة للنافذة التي تطل على النيل و أخذت تتأمل ترددات المياه بفعل الريح و سرحت في أفكارها مع احمد إلي أن أعادها إلي الواقع صوت متقطع الأنفاس يقول لها
- ما كل هذا الركض إن قدمي ما عادت تقوى على حملي و ألقى بنفسه إلي المقعد المجاور لها انه نبيل ذلك الشاب الذي تركته عند السور
- أكنت تتبعني إلي هنا قالتها في دهشة ممزوجة بالاستنكار
- نعم لقد انهيني الحديث دون أن تتركي لي حق الرد عليك , و لماذا كنتي تبكين و أنتي تركضي !!
فقالت له بضيق
- انه شيء لا يعنيك و ليس من شانك
فقال و ابتسامة ماكرة قد ظهرت على ركن شفته
- هناك شخص منذ قليل تدخل في شئوني دون سابق إنذار أو معرفة
فقالت في ضيق اعتذر منك على ذلك و رجاءا اتركني وحدي
- لقد أسديت لي نصيحة فلا مانع لدي أن اسمع منكِ علّي أسدي إليك نصيحة
- شكرا علي جهودك و لكن رجاءا دعني و شأني قالتها و صوتها يرتعش و انخرطت في البكاء , فصمت حتى هدئت ثورة الدموع تلك و دون أن يسألها مرة أخرى رويت له كل ما حدث مع احمد كانت في حاجة إلي أن تفرغ ما بداخلها لأي شخص حتى لا تصاب بالجنون من التفكير , و عندما انتهت من حديثها كان السؤال المعهود يطرح نفسه و ماذا ستفعلين
تنهدت هند في يأس و قالت
- و ما عساي أن افعل سوى أن اخبر منى بما يجيش في قلب احمد
- ما هذا الاستسلام ألن تدافعي عن قلبك
- و كيف سأفعل قالتها و هي تخرج من جيبها منديلا تجفف به دموعها
- لا تقولي لمنى شيء و لو تستطيعين أن تقطعي علاقتك بها فافعلي أما احمد فقولي له أنها رفضته ولا تتصوره و بذلك يصبح الطريق ممهد أن تجعليه يحبك
- و هل للحب ذر اضغط عليه فاجعل احمد يحبني ,و أن فعل فهل سأكون سعيدة و أنا اخدعه و احرمه من حبه , أحبه يا نبيل لدرجة انه إذا طلب حياتي لن ابخل بها عليه فكيف إذا اخدعه و احرمه من حبه !!!
- تخاريف الحب الأسطوري ....كلام تلاميذ ..... هذه الخرافات لا يجدي نفعا في هذه الحياة فكوني عاقلة و استمعي لحديثي
- دعك من تلك الأفكار الصبيانية قالتها و قد اعتزمت شيء ما داخلها فأخرجت هاتفها المحمول من جيبها
فقال نبيل بسعادة
- كنت واثق من ذلك تريدين رقم هاتفي انه.... فقاطعته هند باستنكار بالطبع لا إنني سأهاتف منى و أطلعها على طلب احمد
- يا لك من مجنونة لا تفعلين ذلك فبعدها لن يجدي نفعا البكاء على اللبن المسكوب
- لقد انسكب بالفعل قالتها و هي تبتعد عن الطاولة و الضوضاء لتكلم منى

أجابتها منى بالموافقة على طلب احمد و هو ما توقعته هند منها و هو ما جعلها تشعر أيضا إن حلقة اليأس تضيق و تطبق عليها أكثر.
عادت هند إلي الطاولة حيث نبيل و هي تحاول أن تحبس دموعها فلا تنهمر مرة أخرى أمام الجميع فقال لها بإشفاق
- لقد حذرتك و لكن لا يزال الأمر بيدينا من الممكن أن تقولي لها أن احمد قد صرف نظر و تقولي لأحمد أنها رفضته .
- ما عاد يجدي نفعاً هذا الكلام خاصة بعد ما رأيت سعادة منى بهذا الخبر فانا لن أحطم قلبه فقط بل قلبها أيضا
نهضت هند من مكانها و هي تودع نبيل فاستوقفها متسائلا
- ألن تعطيني رقم هاتفك
- فالتكون معرفتنا صدفة فانا لن أكون مستريحة و لدي صديق يعرف تلك التفاصيل الدقيقة عني , اقدر لك اتساع صدرك لسماعي و أشكرك على ذلك , و أدارت ظهرها له فاستوقفها مرة أخرى
-ألن تقولي لي حتى اسمك
- لا داعي لذلك طالما لن نرى بعض مرة أخرى و ودعته مبتسمة و تركها ترحل دون أن يوقفها مرة أخرى.


يتبع .....

بقلم هاجر العشري

24 ديسمبر, 2008

الجزء الخامس/ رياحين الهوى



كان رجوع أزهار الرياحين مرة أخرى لأحمد هي الشرارة الأولى لنشوب صداقة وطيدة بين الطرفين , فأصبح لا يمر يوم عليهم دون أن يجمعهم محادثة تليفونية أو اجتماع مسائي يظل أحيانا حتى الصباح كل منهم في شرفته .
أصبح كل منهم حجر أساس في حياة الأخر فهند لا تخطو خطوة إلا باستشارته و هو يزيح عن كاهله أعباء الحياة و العمل بإفراغ ما يدور بخلده بين يديها.
و كانت هند لا تتوقف عن الحديث عنه أمام صديقاتها حتى أصابهم الفضول للتعرف عليه و عرضت عليها صديقتها منى اصطحابها له في حفل عيد ميلادها حتى يتسنى لهم أن يتعرفوا على هذا الصديق الوفي.

و في الحفل كانت صديقاتها يرمقون هذا الشاب الفارع ذو الأكتاف العريضة و البشرة السمراء و العينين السوداء الكحيلة , و تطير ألبابهم بوسامته فجذبوا هند من يديها ليقحمونها في حديثهم النسائي
- ماذا دهاكم يا بنات اتركوني فانا لا أريد أن اترك احمد وحيدا قالتها هند و هي تسحب يديها من قبضة منى
- أ لهذه الدرجة لا تقوى على فراقه قالتها منى لهند و هي تنظر في اتجاه احمد
- يا لكي من ماكرة أنا فقط لا أريده أن يشعر بالملل فهو لا يعرف أحدا هنا غيري فكيف اتركه بالله عليك
فقالت صديقة أخري أ هذا فقط
- أه فهمت الآن مقصدكم , انه صديق عزيز ليس أكثر فلا تسيئوا الظن
فقالت منى و هي لم تغض طرفها عنه من الإعجاب و هل يترك شخص كهذا يا لك من مجنونة
- إن احمد بالنسبة لي صديق فقط فلا تكثروا من هذا الحديث رجاءا
- لكن حضوره معك الليلة يدل انه سيصارحك بحبه قريبا قالتها احد صديقتها
- لا يكن أفقك ضيق فانا اعلم جيدا انه لا يحبني
و تركتهم و ذهبت إلي احمد و لكن وجدت صديقاتها خلفها ليتحدثوا معه مما اشعر هند بالضجر.

استيقظت هند ذات صباح على رنين الهاتف , و كان المتحدث احمد يوقظها لأمر هام على حد قوله و كان هذا اليوم هو عطلة هند فاتفقت معه أن تقابله في احد المطاعم بعد انتهاء دوامه
كان المطعم مكتظ بالزبائن فوجدوا طاولة شاغرة في منتصف المطعم , و كان بادي على احمد التوتر و القلق على غير عادته فسألته إن كان قد أصاب احد أفراد عائلته مكروها أو هناك مصيبة بالعمل و لكنه أجاب بالنفي
- ماذا هناك أنا لم أراك هكذا من قبل قالتها و هي تنظر في عينيه الزائغة يمينا و يسارا في توتر.
و بعد تردد قال احمد و صوته لا يكاد يسمع
- هند أريد أن أصارحك بشيء هام
- يا الهي هل كان أصدقائي على حق بالله عليك لا تنطقها فانا لا أريد أن اخسر صداقتك قالتها محدثه نفسها و هي تنظر إلي لفيف الزبائن الذي اجتمع حولها في صالة الطعام , شاعرة بان كل الأعين تنظر لها في تفحص و هي في هذا الموقف الحرج منتظرة ردة فعلها.
استطرد احمد و هو يجفف قطرات العرق التي ترقرقت فوق مقدمه رأسه و قال و هو ينظر في عينيها
- أعرفك منذ شهور و في حياتي لم أجد صديقة أوفى منكِ و اعرف انك تكني لي مشاعر طيبة.
- رجاءا لا تسيء الظن في أفعالي مثلما فعل الأصدقاء قالتها محدثة نفسها
- و لولا هذا ما جرئت أن أقول ما سأقول
هند لقد فكرت مليا قبل أن أحادثك في هذا الأمر و أنا على يقين من مشاعري الآن
قالت في نفسها و هي تغمض عينيها هروبا من عينيه يا لهي لا تنطقها بالله عليك
فاخذ نفس عميق و أغمض عينيه للحظة و كأنه يستجمع شجاعته و قال
- هند أنا أحب منى صديقتك و أريدك أن تعلميها باني أود خطبتها
- ماذا !!!!
- نعم فانا منذ أن وقعت عيني عليها و قلت أنها هي فتاة أحلامي و هي منذ ذلك الحين لا تفارق مخيلتي أبدا
تنفست هند الصعداء و أراحت ظهرها علي المقعد الوثير و قالت و ابتسامة عريضة اعتلت وجهها
- إذا تحب منى يا لك من خبيث كيف لم ألاحظ ذلك و لما لم تصارحني بشعورك هذا من قبل
فاحمرت وجنتيه خجلا مما أدهش هند فهي لم تعتد ذلك من احمد
- لا تقلق يا احمد اترك هذا الأمر لي قريبا سيلتف حول إصبعك خاتم الخطبة
فانفرجت أسارير احمد و انطلق لسانه بالشكر و العرفان لهذا الجميل و سرعان ما أدار دفة الحديث عن منى و عن أحوالها و عن جمالها و كانت هند في منتهى السعادة في ذلك اليوم.

عندما خلت هند بنفسها في المنزل بعد أن عادت من المطعم مع احمد أحست بغمامة من الحزن قد أمطرت فوق رأسها وابل من الهم و الحزن الذي اجتاح مهجتها و الذي أيضا استرعى استنكرها لما هذا الحزن و هي في قمة سعادتها اليوم . حاولت أن تروح عن نفسها فجلست تشاهد فيلم كوميدي بالتلفاز و رغم ذلك لم تذهب هالة الحزن التي غلفت قلبها و بدء وجه احمد يطاردها في كل أركان الشقة و صوته يتردد في مسامعها , فأغلقت التلفاز و أخرجت رواية قد قراءتها منذ فترة و لم تكملها و أخذت تقلب في صفحاته شاردة الذهن و صوت احمد لم يبرح أذنها و إحساس الحزن يعتصر قلبها أكثر و أكثر , فاندهشت لهذا الشعور و حادثت نفسها
ما أصابك هل جننت أ لهذا الحد اشعر بالغيرة و الخوف أن ينشغل احمد عني بعد الزواج و افقد صداقته ما هذه الأفكار الصبيانية لا داعي للقلق ستظل صداقتنا و أخرجها من هذه الأفكار رنين الهاتف فجرت مهرولة نحوه محاولة الفرار من أفكارها تلك , و كان المتحدث هو احمد يسألها إن كانت قد تحدثت مع منى في الموضوع فأجابته في ضيق انه لا ثم شعرت بشيء بارد يجري على وجنتيها إنها دموع !!
و قاطعت احمد و هو يتحدث باندفاع عن جنونه بحب منى
- احمد هل ستظل صداقتنا بعد زواجك أم ستأخذك الحياة و تتركني و حيدة في هذه الحياة قالتها و هي تحاول أن تتماسك و أن لا يشعر بصراعها الداخلي
فأجابها بصوته الدافئ بالطبع ستظل صداقتنا فانا لا أتخيل الحياة دونك يا هند لا تقلقي ولا تنسي أن تخابري منى و أنهى المكالمة مودعا أياها.

وضعت هند السماعة و اتجهت بخطوات بطيئة متثاقلة إلي حيث المطبخ و كأن الأفكار أوزان ثقيلة أثقلت حركتها فلا تستطيع التحرك , و أخذت تغسل الصحون المتراكمة في الحوض محاولة أن تزيح صوت احمد الذي لا يفارق مسامعها و صورته التي لا تري غيرها أمام عينيها دون جدوى فالأفكار تتزاحم و تتزاحم في رأسها و انهمر سيل من الدموع تغسل وجهها و جلست على أرضية المطبخ منهارة و هي تبكي و تنوح و قد أدركت ما بها
- يا الهي يا للمصيبة إني أحب احمد بلا شك !!!!
يتبع.....
بقلم / هــاجر العشـــــري

11 ديسمبر, 2008

الجزء الرابع / رياحين الهوى

و في المساء وجدت هند عم عبده يقف بجلبابه الأزرق وهو يحيها بأسنانه الناخرة و يحمل في يده أزهار الريحان التي أهدتها لأحمد , و عندما سألته عنها قال إن الأستاذ احمد طلب منه أن يعطيها تلك الأزهار , و ناولها إياها و دون أن يعطيها حق الحوار أو الاستفسار هرول مسرعا علي السلم إلى الأسفل و كأنه طفل صغير طرق باب الجيران و فر هاربا لينجو بفعلته .
وقفت هند مشوشة الفكر لا تدري ماذا تفعل إنها تعلم أن ما فعله احمد ليس سوي رد اعتبار و كرامة و إنها أهانته بكلماتها في الصباح , و لكن في النهاية قررت أن تنام فمن هذا المخلوق كي يتعب تفكيرها هكذا .

كانت الأيام التالية يتجنب فيها احمد ملاقاة هند فكان يتعمد أن يخرج من منزله قبلها أو بعد موعد نزولها و إن تصادف و سمع صرير بابها يفتح و هو منتظر المصعد كان يستخدم السلم وسيلة للفرار من وجهها و يتركها خلفه يأكلها الغيظ فمن هذا الأحمد الذي يتجاهلها و يعاملها هذه المعاملة , فكانت تحاول إزعاجه كلما أمكنها ذلك بصوت الأغاني العالي و قطتها التي تقفز في شرفته حتى تضطره أن يبداء الحديث معها ,و لكن جميع محاولتها كانت تبوء بالفشل دائما , فاحمد كان يتجاهلها تماما مما كان يثير غضبها أكثر .
و في صباح احد الأيام جاءت الفرصة لهند فقد وجدت احمد يقف عند منعطف الشارع يحاول إيجاد سيارة أجرة , فسيارته معطلة , فتوقفت هند بسيارتها إلي حيث يقف احمد يملئ عينيها نظرات التشفي و الانتصار
- ما هذا الأستاذ احمد بجلال قدره يقف في قارعة الطريق ينتظر سيارة أجرة !!!
- سكت دهرا و نطق كفرا , اشعر في صوتك بنبرة سخرية قالها و هو يقرا نظرات عينيها
- لا أبدا قالتها و هي تنظر له بخبث و تستطرد في حديثها و هي تتصنع البراءة دائما ما تسيء الظن بي إن الهدف من كلامي هو أن اقترح عليك إيصالك إلي حيث تريد
- لا شكرا فانا سأركب سيارة أجرة
فقالت و هي تضحك و تنظر له نظرة ماكرة و هل سيقف لك أي سيارة أجرة في هذا الوقت , فالتركب ولا داعي للخجل
- أشكرك و لكن بالتأكيد سيمر من هنا سيارة أجرة
- بالتأكيد ستمر سيارة أجرة و لكن بعد أن يكون قد فات ميعاد عملك ,و استطردت في حديثها و هي تدير مفتاح سيارتها استعدادا للرحيل لن أجدد عرضي مرة أخرى فلا تتصنع عدم رغبتك في الركوب فأنت لا تود أن تتأخر علي العمل
ركب احمد سيارتها و هو ينظر لها في غيظ فإنها قد صنعت فيه جميلا ولا بد من وقف الحرب المعلنة
- إلي أين أنت ذاهب
- إلي العمل في ميدان رمسيس
- و لماذا تقطب جبينك هكذا
- لا أبدا فانا ولدت بهذا الشكل
ضحكت هند بشكل هستيري و هي تقول ما هذا أتعرف المزاح و الضحك !!
- ماذا !! و لماذا تظنين إني غير ذلك
- لا ادري فبصراحة إني أراك كئيب و تميل للعزلة و الانطواء ولا تظهر الابتسامة علي وجهك أبدا
- هل أنتي هكذا دائما قالها و هو مندهش من حديثها
- هكذا كيف ؟؟!
- لا تبالي بشعور الآخرين
فنظرت له و بعينيها نظرة سعادة غامرة فقد ضايقته أخيرا و استطاعت أن ترد كرامتها عندما أعاد لها أزهارها و قالت لا أرى إن الصراحة و قول الحقيقة عدم مراعاة لشعور الغير , و هل أنا ظلمتك بقولي هذا فأنت بالفعل شخص تحيط نفسك بهالة من الرتابة و العزلة .
- و ما ادراكي بحياتي فانا لم احتك بك في شيء قالها و هو يدير وجه في اتجاه النافذة حتى لا تري انه غاضب
- إن هذا انطباعي عنك
فاستفزته كلماتها و قال و هو ينظر لها إذا كان الحديث عن الانطباع فليس وحدك من كون انطباع
فنظرت له في اهتمام أي أكمل
- فانا أراكي فوضوية و مستهترة و سطحية و مزعجة
كان يتوقع غضبها و بذلك يكون رد لها الموقف و لكنها ردت عليه بتعقل لم يعتاد عليه منها
- انظر ها أنا لم اغضب من انطباعك الخاص و الذي لا يشكل اى أهمية بالنسبة لي لأنه خاطئ ,و لكن من حقك أن تكون انطباع و أنا لست غاضبة لذلك.
و عندما هم بان يسقط عليها وابل من سهام الكلمات كي يقضي علي هذه المستفزة المتغطرسة استوقفته تلك النظرة الحزينة التي اعتلت عينيها و هذه الدمعة التي تحاول جاهدة ألا تسقط
فقال احمد و هو يحاول أن يعالج ما أفسده حديثه
- لا تأخذي حديثي محمل جد فانا كنت أحاول أن أثئر لكرامتي بقولي هذا و لكن أنا انطباعي عنك انك انسانة حساسة و رقيقة
فقالت و ابتسامة صافية تظهر على وجهها و لكنى كنت اقصد كلامي عن انطباعي عنك و انخرطت في الضحك , فضحك هو الأخر هذه المرة دون الشعور بالحرج من كلماتها
- سمعت انك مهندس فهل هذا صحيح , قالتها و هي تحاول أن تكون لطيفة
- نعم مهندس كهرباء و أنتي
- اعمل منسقة حفلات
- و هل هناك وظيفة بهذا الاسم على وجه الأرض , قالها و هو ينظر لها بخبث
فجاوبته بنفس خبث السؤال أولم تحضر يوما حفل زفاف أو مؤتمر أو عيد ميلاد إن تنسيق هذه المناسبات يكون تحت إشرافي
- و هل أنتي من القاهرة
- نعم و هل اعتقدت أني من الريف
- بالطبع لا و لكني اعتقدت انك عائدة من الخارج و لهذا انتقلتي لعمارتنا
- لا و لكن لم اشعر بالراحة مع جيراني القدامى فهم فضوليين و يتدخلوا فيما لا يعنيهم
- فقال لها و هو ينظر لها نظرة ذات مغزى , و ما رأيك في جيرانك الجدد
فنظرت له مبتسمة , لا اعرف و لكن ما ألاحظه أنهم يردوا الهدايا ولا يقبلوها
فقال و هو يتذكر ما فعلته لا هم يقبلوها إذا كانت هدية أما العوض فلا يقبلوه
- لا تقف على تلك الكلمة فانا لم أكن اقصدها , ثم اريحني من هذه النباتات فانا لا أجيد رعايتها و استطردت و هي تنظر له بمودة عندما نعود من العمل ستأخذها ولا مجال للمناقشة قالتها و هي تتوقف بسيارتها أمام الشركة التي يعمل بها احمد
فشكرها احمد و هو يبتسم لها مودعا.

يتبع.....

بقلم / هاجر العشري

05 ديسمبر, 2008

رياحين الهوى ( الجزء الثالث )



في صباح اليوم التالي وقف احمد خلف بابه ينظر من العين السحرية بالباب لكي يتأكد من نزول هند , فهو لا يريد أن يحتك بها , و بعد نزولها ذهب إلي عمله , و لكن كانت تنتظره مفاجئة عند عودته فقد وجد أمام باب منزله مصيص زرع ممتلئ بأزهار الريحان و لصق على احد الأزهار كارت كتب عليه ( أنا بوسي قطة الآنسة هند آسفة على تحطيم أزهارك , و إليك غيرها علها تعوض عنك ما فقدته .......... ملحوظة لا تصرخ في وجه صاحبتي من جديد ) .
ابتسم احمد في شيء من الرضا و حمل الأزهار و طرق باب هند ليشكرها على الأزهار , لكنها لم تجيب و قد تعجب احمد من ذلك فقد لمح سيارتها تحت العمارة فأين ذهبت ؟! , وضع احمد الأزهار بشرفته و هو سعيد بها , و خاطبته نفسه أن ينظر في شرفة هند ليتأكد إن كانت هناك أم لا
نظر احمد فوجد أنوار الشقة مطفئة , و لكن و لسوء حظه كانت هند في الشارع تحت العمارة في ذلك الوقت و رأت ما فعله و أثار ذلك حنقها
- يا له من وقح يتلصص علي قالتها و هي تندفع داخل العمارة عازمة على العراك معه و لكن عندما وصلت إلي بابه عدلت عن فكرتها مقررة الانتقام بطريقة أخرى.

في صباح اليوم التالي وقف احمد خلف باب شقته ينتظر هند و لكن هذه المرة ليس ليتجاهلها و لكن ليشكرها على الأزهار , و عندما خرجت هند خرج احمد على الفور و هو متأنق و متباهي بنفسه
- صباح الخير
فنظرت له هند نظرة لا مبالية و كأنها لم تسمعه , فتجاهل احمد هذه النظرة و فتح لها باب المصعد و هو يبتسم لها , فخاطبت هند نفسها يا له من متحاذق يحاول أن يظهر في دور النبيل الفارس يا لك من خبيث
تنحنح احمد ليكسر حاجز الصمت الذي ساد المكان و قال
- أين كنتِ ليلة البارحة
-
و ما دخلك
فاضطرب صوت احمد و احمرت وجنته من فظاظة ردها و قال محاولا أن يداري إحراجه
-
عندما رأيت أزهارك البارحة و اعتذارك الرقيق طرقت بابك كي أشكرك ,و لكنك لم تجيبي
- و لماذا تشكرني أولم يكن هذا ما توده عندما طرقت بابي في منتصف الليل كي أعوض عليك خسارتك قالتها و هي تنظر له باحتقار كي تستفزه
- يا الهي ماذا تقولين أيتها المتعجرفة قالها في نفسه ثم قال بصوت عالي و هو يخرج من المصعد في غضب
- لو كنت اعلم أن هذا مقصدك من تلك الأزهار ما قبلتها .


يتبع........

بقلم / هــاجر العشــري

25 نوفمبر, 2008

الجزء الثاني / رياحين الهوى


توجهه احمد نحو بواب العقار يسأله عنها
- من هذه السيدة
- إنها جارتك الأستاذة هند
- و هل الأستاذة هند هذه لا تفهم في آداب الجيرة أم ماذا !!؟
- لماذا ؟ ماذا فعلت ؟ فهي لم تكمل الأسبوع في هذا العقار !
- نعم فقبل مجيئها كانت الحياة هادئة تخلو من الضجة , أما الآن فكل يوم استيقظ علي إزعاج من أغانيها الأجنبية الصاخبة التي تديرها
- لا تقلق سوف أتحدث معها في هذا الأمر
- ثم أين أهلها ألا يكونوا نيام في مثل هذا الوقت ألا يستيقظوا من تلك الضجة !!!
- لا فالآنسة هند تعيش وحيدة في هذه الشقة
- نعم أكيد و من يطيقها , قل لها يا عم عبده إذا لم تحترم أصول الجيرة و تخفض هذه الموسيقي سوف أبلغ للشرطة
- لا فأنت طيب يا أستاذ احمد و أنا سوف أتحدث معها

تركه احمد و ذهب إلي العمل و عندما عاد لم يجد عم عبده يقف أمام بوابة العمارة كعادته فهو كان يود أن يسأله إن كان قد حدث هذه المزعجة أم ماذا خاصة و انه وجد سيارتها تقف محل سيارته المعتاد .
دخل احمد منزله الهادئ و ستتطرق السمع فلم يسمع سوى أنفاسه فطرب لهذا الهدوء و أيقن أن عم عبده قد بلغ هذه الهند بشكوته .
تناول احمد وجبه العشاء و توجه إلي سريره لينام بعد أن غسل أطباق الطعام , و عندما بدأت عينه تستسلم للنعاس قفز من سريره على صوت تحطم شيء في شقته
- يا الهي انه لص
خرج احمد و هو يتحسس خطواته إلي ردهة الشقة و لكنه لم يجد شيء و بنفس الحرص فتش باقي الغرف ثم خرج إلي الشرفة ليجد قطة شيرازي بيضاء تقف على أنقاض مصيص الريحان و تنبش بمخالبها أزهاره , انقض احمد علي القطة و هو يتسال من أين جاءت و كيف وصلت إلي شرفته و لكن الإجابة جاءت واضحة عندما قفزت القطة مذعورة منه محاولة الهرب إلي الشرفة المجاورة شرفه جارته هند , امسكها احمد و هو غاضب و توجه إلي باب جارته المزعجة يطرقه , و بعد عدة دقائق فتحت هند الباب و هي بلباس النوم مشعثة الشعر و عينها تحوي النعاس , و قالت و هي تحك رأسها ماذا هناك
فقال احمد و الكلمات تتدافع في حلقه من فرط الغضب
- إن قطتك هذه قد قفزت إلي شرفتي و حطمت أواني الأزهار
- حسنا قالتها و هي تأخذ قطتها و شرعت في غلق الباب
لكن احمد أوقف الباب بيده في غضب و هو يقول
- ما هذا أين أصول الجيرة ألن تعتذري !!!؟
- و لماذا اعتذر
- كُل هذا و لماذا تعتذري ألا تري انك تزعجيني منذ سكنتي هذه العمارة
- لا فانا لا أري ذلك , فانا لم اطرق بابك في هذا الوقت المتأخر من الليل لأتعارك معك علي ما اعتقد
- أ وتقولين هذا و كأني أنا الجاني و لا تشعري بوخز ضمير حتى !!!
- و لماذا اشعر ماذا فعلت !
- ماذا فعلتي !! إن قطتك دمرت أزهاري
- لقد نطقتها قطتي و لست أنا فالتطلب من القطة الاعتذار و ليس مني
- ماذا !!! قالها و هو يشعر أن شراينه سوف تنفجر من غليان دمائه
- لقد شكوتني للبواب بسبب صوت الموسيقي و التي أديرها بمنزلي و ليس لك الحق في الحديث عنها و رغم ذلك لم اسمعها عندما عدت احتراما لك , و لكن من الواضح انك من الجيران التي تهوى المشاكل و أنا لا أحب ذلك , فبعد إذنك و أغلقت الباب في وجه .


يتبع ...........


بقلم / هــاجــر العــشري

19 نوفمبر, 2008

ريــاحين الهــوى

جلس احمد بشرفة منزله يتأمل منظر الشروق البديع وهو يتناول وجبه الإفطار التي اعددها بيده فهو من بعد موت والديه يعيش وحيدا في هذه الشقة . أخذ احمد يتصفح الجريدة و هو يرتشف القهوة , و كانت نسمات الصيف الجميلة تداعب أزهار الريحان التي زرعها بشرفته , فتنشق رحيقها في سعادة و هو يداعبها , و لكن لسوء الحظ سقطت من يده عندما فوجئ بتلك الموسيقي الصاخبة التي اخترقت خصوصيته الهادئة
- ليس من جديد ..... يا لهؤلاء الجيران الجدد إنهم يفتقدون للذوق و اللياقة انه اليوم الثالث علي التوالي الذي اسمع فيه هذا الصخب في الصباح.
جمع احمد في ضجر أزهاره الجميلة التي سقطت علي الأرض و احضر مصيص أخر بدلا من الذي كسر و وضع فيه كائناته الرقيقة
نظر احمد لساعته أنها السابعة و النصف
- يا إلهي كل هذا بسبب هؤلاء الجيران سوف أتأخر علي العمل
دخل مهرولا إلي غرفة نومه ليبدل ثيابه و ارتدى حُله سوداء أنيقة و انتقى ربطة عنقه بعناية و مشط شعره و انتعل حذائه اللامع النظيف . و أتم على محابس المياه ومفاتيح الكهرباء و وقف أمام المصعد يستدعيه عندما تعالت أصوات تلك الموسيقي فالتفت احمد إلي الباب المجاور لشقته حيث الصوت و الذي فُتح لتخرج منه هند مسرعة تحمل فيه يدها قدح النسكافية و في اليد الأخرى كثير من الأوراق و تتأبط نعليها .
توجه احمد في اتجاه هند ليعترض علي تلك الضجة العالية و قبل أن ينطق بكلمة أعطته بتلقائية شديدة كل من قدح النسكافية و الأوراق و وقفت على ساق واحدة تنتعل حذائها و تقفز لتتوازن ولا تسقط , و بعد انتهائها اعتدلت في وقفتها لتأخذ أوراقها و لكنها تذكرت شيئا ما فدخلت شقتها تاركة احمد يأكله الغضب و الذهول و هو يحمل أغراضها .
أخيرا توقفت هذه الموسيقي المزعجة فقد أغلقتها هند و خرجت و هي تحمل حقيبتها في يدها و في اليد الأخرى تثبت قرطها بأذنها , ثم أغلقت الباب و هي تنظر إلي المصعد الذي استدعاه احمد , ففتحت باب المصعد و دخلت فاستشاط احمد غضبا و هو يحدث نفسه
يا لوقاحتها فهي لم تلقي بالاَ حتى لأغراضها التي ألقتها بوجهي , دخل المصعد و هو كالبركان الذي سينفجر في وجه هند , و قبل أن يتكلم أخرجت هند من حقيبتها تليفونها المحمول و أجرت مكالمة و هي تصلح من خصلات شعرها الأحمر الغجري في مرآة المصعد , ليس هذا فقط بل أخرجت من حقيبتها احمر الشفاه و استخدمته دون خجل من احمد , و عندما توقف المصعد في مدخل العمارة خرجت مندفعة إلي بوابة العمارة ثم عادت إلي احمد و أخذت أغراضها دون أن تنظر في وجه أو تقول كلمة شكر واحدة و مضت في طريقها نحو سيارتها تاركة احمد في حالة من الذهول و الغضب لتصرفها هذا

يتبع .....
بقلم / هاجر العشري