
هرولت صابحة زوجة البواب نحو هند لتطمئن عليها بعد أن رأتها في هذه الحالة فاستندت هند برأسها على صدر صابحة و تعكزت على ذراعها و لكن ساقيها لم يقويا على حملها أكثر من ذلك فسقطت على الأرض . و في أثناء ذلك كان احمد قد ركض نحو الشارع ليطمئن عليها عندما كان يحملها عم عبده مغشيا عليها و يتجه بها نحو الدكة التي يجلس عليها أمام العمارة ، أقترب أحمد منها يتفقدها في قلق شديد تحسس نبضها فوجد معصمها ساخن كجمر النار فتحسس جبهتها فلم يجدها أحسن حالا من معصمها ، جاءت صابحة بكوب من الماء و ثمرة بصل كبيرة " دشتها " على ذراع الدكة و أقحمتها في انف هند فانتفضت هند من تأثير مفعول البصل الساحر و جلست صابحة وراء هند و أسندتها على كتفها حتى يتسنى لها أن تسقيها الماء.
لم تتبين هند منهم سوى أحمد فابتسمت له لتطمئنه ثم غابت عن الوعي من جديد ، فدست صابحة البصلة من جديد في انفها و لكنها لم تجدي نفع هذه المرة فتطوع عم عبده و اخذ المياه المتبقية في الكوب و سكبها على رأسها فشهقت هند و هي تنتفض من هذا الصقيع الذي غمر وجهها الساخن .
فثار احمد في وجه عم عبده على هذا التصرف الساذج و أمره بأن يساعده في حملها لتركب سيارته حتى يذهب بها إلي المستشفى و هند تحاول أن ترفض و لكن دون جدوى فصوتها لا يقوى أن يخرج من حنجرتها الملتهبة فاستسلمت لرغبة احمد ليحملها كالطفل الرضيع بين يديه فأسندت رأسها على كتفه و أغمضت عينيها في سعادة و تمنت أن تطول هذه اللحظة إلي أن تزول الأرض .
وضعها في الأريكة الخلفية للسيارة و جلست معها صابحة أما عبده فظل يحرس العقار ، أنطلق احمد مسرعا إلي المستشفى و هناك حجزت في الاستقبال نحو أكثر من ساعتين إلى أن استقرت حالتها و انخفضت حرارتها نسبيا فانصرفت هند مستندة على ذراعي صابحة و احمد .
باتت صابحة تلك الليلة في منزل هند بعد أن أصر احمد ألا تنام هند وحدها و لم تمانع صابحة بعد أن أغراها احمد بخمسون جنيها شرط أن تعتني بهند ، أما أحمد فلم يغمض له جفن في تلك الليلة كان في غاية القلق على هند كان يخشى أن تنام صابحة و لا تكن في عون هند عندما تحتاج إليها و لهذا ظل إلي جوار الهاتف ليطمئن على هند كل ساعة و يتأكد أن الأخرى مستيقظة .
و في الصباح الباكر كان احمد يطرق باب هند ففتحت له صابحة محمرة العينين من السهر و قالت بفتور و هي تدلي بتقريرها العاشر عن صحة هند انها بخير و أنها لا تزال نائمة و دون أن تزيد تركته ليدخل و دخلت هي إلي المطبخ لتعد الشاي ، كانت هذه المرة الأولى التي يدخل شقتها أسترعى انتباهه كل تلك الصور الفوتوغرافية التي غطت الجدار الأيمن للشقة ، وقف يتأملها جميعها تلك التي تقف فيها هند صغيرة تقطف الأزهار و شعرها الأسود الحريري يتطاير مع نسمات الهواء ،و هذه التي تلهو فيها مع رجل كبير أدرك انه والدها بسهوله فهي تشبه كثيرا ، و صورة أخرى لها و هي بسن الخامسة عشر تقريبا ترتدي فستان وردي قصير و شعرها أسود طويل مسترسل على كتفيها و ابتسامة حالمة تحمل بين طياتها بقايا الطفولة ، أما هذه الصورة فتبدو أنها التقطت قريبا فهنا تظهر بشعرها الغجري الأحمر و حولها صديقاتها كانت هي الأجمل بينهم و من بين صديقاتها ميز أحمد واحدة ميزها جيدا فهو يعرف هذا الشعر البني و هذه العيون الخضراء التي هام بها منذ شهر
- إنها منى كيف نسيتها الليلة الماضية ، ماذا حدث بينها و بين هند ؟؟ ... هل هند فاتحتها في أمري؟؟... هل وافقت ؟؟ كانت هذه الأفكار تجوب عقله عندما وقفتها صوت صابحة و هي تلفت نظره أن الشاي سيبرد
جلس احمد يرتشف الشاي و هو يتأمل اللوحات الزيتية التي علقت على الجدار المقابل له و ذلك الجرمافون العتيق الذي وضع على منضدة عتيقة تشبهه ، و في الجانب الأخر كان هناك أحدث جهاز للديفيدي و حوله مكتبة كبيرة من الاسطوانات المدمجة لأغاني أم كلثوم و فيروز و عبد الوهاب و موسيقى عمر خيرت و عمار الشريعي و بوب مارلي و مساري و موسيقي الجاز ، كان ذوق الشقة في كل شيء يجمع العصرين حتى لوحاتها الزيتية المعلقة بعضها يرجع لفن العصور الوسطي لفرنسا و راقصات البالية و الفلامنكو و أخرى بها رسوم المشربيات و الأحياء الشعبية و البدويات و صحاري مصر. و لكن رغم ذلك كان الجو العام للبيت به ألفه و تناسق محبب للنفس . باغته من وراء ظهره صوتها الرقيق الضعيف إنها هند قد استيقظت من نومها
- صباح الخير
- صباح النور .... حمدا لله على سلامتك لم أكن اعرف مقدار معزتك لدي إلا البارحة
فابتسمت ابتسامة رقيقة تشوبها الخجل و هي تشير له أن يجلس و قالت و هي تجلس هي الأخرى
- لن أجد كلمات تعبر لك عن شكري و عن أسفي لإرهاقك البارحة
- لا داعي لتلك الكلمات ألا تدري مقدار معزتك بقلبي يا هند
فنظرت في عينيه بهيام حتى شعرت أن نظراتها واضحة و تفضحها فاحمرت وجنتيها و نظرت إلى حيث كوب الشاي الذي كان يشربه فقالت و هي تحاول أن تداري ارتباكها
-هل تناولت إفطارك اليوم
-ليس بعد
- إذا ستتناول إفطارك معي
لم يمانع احمد ولا يدري لما لم يمانع و لما تغيب عن عمله اليوم ليجلس معها كل ما شعر به أنه أراد أن يكون بصحبتها بعد أن شعر بالأمس انه سيفقدها .
جلسوا يتبادلوا أطراف الحديث أثناء إعداد صابحة للإفطار و كان أول ما سأل عنه ماذا حدث لها البارحة و أين كانت طوال اليوم فحاولت أن تدير دفة الحديث عن ذلك الأمر فماذا ستقول له أنها تحبه و فرت من مشاعرها إلي حيث لا تدري و أنها ظلت تركض طوال اليوم هربا من صوته و هو يعترف بحبه لمنى فقالت له و هي تتجه نحو جهاز الديفيدي أتود أن تستمع بعض الموسيقى
- لديك مكتبة شاملة لم أكن أتوقع أن أجد لديك أسطوانات لفيروز أو أم كلثوم
فالتفتت له و هي تتوجه نحو الاسطوانات و نظرت له من وراء كتفها بعينيها البنية التي تحمل بين أهدابها ألام الحب و المرض و التي أضفت على نظرتها جاذبية لم يقاومها أحمد
- هناك الكثير الذي لا تعرفه عني يا أحمد
فوقف إلى جوارها و هي تنتقي الاسطوانات و قال و هو ينظر إلى شعرها
- نعم فأنا لم أعرف أن شعرك أسود و انه في غاية الجمال عليكِ فنظرت على الفور في اتجاه جدار الذكريات الذي يحمل صورها الفوتوغرافية
- إن شعرك قديما يناسبك أكثر من هذا الأحمر فتحسست شعرها و حاولت أن تقاوم نظرات عينيه الثاقبة التي تحاول أن تخترق جدران حياتها و قالت
-أن هذا اللون الأسود يشعرني كأني بلهاء أما هذا فيناسبني
- ولكني أرى إن لونه الطبيعي أكثر جاذبية و أكثر جمالا
- حقا قالتها و هي تدير أسطوانة لفيروز
- نعم انظري و جذبها من يدها إلي حيث الصور الفوتوغرافية و أردف أنظري كم أنتي جميلة و رقيقة بتلك الخصلات السوداء
فنظرت في عينيه الدافئة و فيروز تشدو خلفهم " أهواك... أهواك .... أهواك بلا أملِ و عيونك تبسم لي و ورودك تغريني بشهيات القبلِ " فأشارت بإصبعها في إتجاه الموسيقي و هي تحاول أن تشيح ببصرها عن عينيه و قالت
-أحب هذه الأغنية كثيرا
فاسترق السمع و قال
- نعم أنا أيضا أحبها و عاد ينظر إلى حيث الصور و قال أنظري هنا و أشار على صورتها مع أصدقائها أنظري إلى شعرك الأحمر هنا و الأسود في تلك الصورة أنه أجمل بكثير فنظرت هند إلى الصورة نظرت الى أصدقائها و نظرت إلى منى بالتحديد فارتبكت فبعد أن كانت تشعر انه يهتم بها و بمظهرها أدركت ان كل هذا الحديث من أجل أن يشير إلى تلك الصورة و أن يفسح مجال لنفسه ليتحدث عن منى
" أهواك و لي قلبُ بغرامك يلتهبُ
تدنيه فيقتربُ تقصيه فيغتربُ
في الظلمة يكتئبُ و يهدهده التعبُ
فيذوب و ينسكبُ كالدمع من المقلِ
أهواك... أهواك .... أهواك بلا أملِ "
-هل كل هذا الحديث من اجل منى يا أحمد قالتها غاضبة
-منى !!! للحظة نسى أحمد منى بين حياه هند و طيات ذكرياتها و بين عينيها و صوتها و قلبها و للحظة شعر أن إلى جوارها تحلو الحياة و للحظة شعر أن ليس هناك منى ولا عمل ولا وقت و لا شيء سوى هند
- نعم منى يا أحمد و إذا كان غير ذلك فلما هذه الصورة تحديدا التي اختارتها دونا عن البقية لتتحدث عنها لم يكن هناك داعي لهذا الحديث عن شعري و عن اهتمامك بمظهري كان يكفي أن تسأل بطريقة مباشرة قالتها في حدة و دون أن تعطيه فرصة ليدافع عن نفسه بادرت قائلة على كل الأحوال إنها موافقة على عرضك
قالتها و جلست على المقعد المجاور لها بعد أن شعرت أن الحجرة تدور من حولها
" في السهر أنتظرُ و يطول بي السهرُ
فيسألني القمرُ يا حلوة ما الخبرُ
فأجيب هو القلبُ قد تيمه الحبُ
يا بدر أنا السببٌ أحببت بلا أملِ
أهواك... أهواك .... أهواك بلا أملِ"
هل كان سعيدا هل كان مصدوما هل كان مشوش الفكر لم يكن يدري ما هي حالته بعد سماع هذا الخبر كانت مشاعره متخبطة بين الفرحة و الحزن بين الراحة و الحيرة بين منى و هند
- هل حقا وافقت منى
- اهدأ يا أحمد حتى لا يتوقف قلبك من السعادة قالتها و هي تحاول أن تحبس دموعها داخل أجفانها حتى لا تفضحها
فابتسم ابتسامة بلهاء لا تنم عن أي معنى أو أي شعور سكت قليلا ثم قال
- إن عيد الحب بعد أيام سوف أدعوكن إلى أحد المطاعم لكي نتحدث في تفاصيل الزواج
كان قلب هند يخفق من فرط الانفعال لدرجة شعرت معها أن عروقها ستنفجر في عنقها فقالت بانفعال و توتر
- و لماذا أحضر هذه المقابلة
- لأنك السبب في تلك الزيجة ولاني أحب أن تشاركيني تلك اللحظة
كان هند في تلك اللحظة قد امتقع وجهها و بدء جسدها يرتعد من فرط الانفعال كانت كل ذرة بجسدها ترتعش حتى أمعائها كانت تنتفض في أحشائها و لم تستطع أن تمنع دموعها من النزول أكثر من ذلك
- هند ماذا بكِ !! هل أنتي بخير ؟؟
- لا ... لا لست بخير قالتها بصوت مرتعش و جسد يرتعد فتحسس جبهتها
- إن جسدك بارد كالثلج كانت ذراعيه ستضمها إلى صدره ليهدئ من تلك الرعشة أو لرغبه في قلبه لا يعرف مصدرها أو سببها سوى انه يريد أن يضمها بين ضلوعه ، و لكنه عدل عن تلك الفكرة المجنونة و صرخ بصابحة حتى تسمعه و تأتي ، فأتت مسرعة و بيدها الدواء في حين حاولت هند أن تتماسك و أن تلملم شتات نفسها و ألا تنهار أكثر من ذلك أمامه و حمدت الله انه فهم أن ما حدث لها نتيجة لما أصابها بالأمس من مرض و ليس بسبب مشاعرها اتجاه و غيرتها عليه و غضبها من عدم شعوره بها . و على غير رغبة منها تناولت الدواء حتى تثبت أن ما أصابها بسبب المرض فعلا و شعرت براحة غامرة عندما اقترحت صابحة أن تستريح هند بالفراش ، و دون نقاش همت بالنهوض لتذهب إلى غرفتها هربا من أحمد حتى لا يرى انهيارها أكثر من ذلك و ساعدها في النهوض كلاهما .
خرج أحمد من غرفة نومها بعد أن تركها مع صابحة فلا يصح تواجده هناك ثم خرجت صابحة خلفه بدقائق تقول له إنها أحسن حالا و تركتها لتنام . أطمئن أحمد قليلا و جلس على مقعد مجاور لباب حجرتها و وقفت صابحة تتفرسه بعينيها و تتأمل نظرات عينيه الزائغة القلقة و اهتزاز ساقه في عصبية فتنهدت بصوت عالي و قالت
- لا تقلق يا سي احمد ستكون بخير
فنظر بوجهها بمعني أحقا و كأنها طبيب مختص يشخص الحالة و ينتظر كلماتها لتطمئنه
فقالت بصوت مسموع يا عيني على الحب
قفز أحمد من مكانه إزاء هذه الكلمات و رمقها بنظرة غاضبة أخرستها ، وقف للحظات مطرق الرأس واضع يديه في جيبي سترته يفكر في لا شيء ثم شعر إن وجوده ليس له داعي و سيفسر مثلما فسرته صابحة و يخشى هو أيضا أن يفسرها عقله نفس الشيء نظر إلى باب غرفة هند و قال لصابحة
- هي لم تتناول إفطارها بعد عندما تستيقظ أعدي لها وجبة غذاء خفيفة و دس في يدها بعض النقود و أردف اهتمي بها جيدا و سوف أطمئن عليها هاتفيا .
و تركهم ليعود إلى منزله .






